أبي بكر الكاشاني

122

بدائع الصنائع

بنفسه من الركوب والنزول وغير ذلك وكذا الزمن والمقعد فلم يكونا قادرين على الأداء بأنفسهم بل بقدرة غير مختار والقادر بقدرة غير مختار لا يكون قادرا على الاطلاق لان فعل المختار يتعلق باختياره فلم تثبت الاستطاعة على الاطلاق ولهذا لم يجب الحج على الشيخ الكبير الذي لا يستمسك على الراحلة وإن كان ثمة غيره يمسكه لما قلنا كذا هذا وإنما فسر النبي صلى الله عليه وسلم الاستطاعة بالزاد والراحلة لكونهما من الأسباب الموصلة إلى الحج لا لاقتصار الاستطاعة عليهما ألا ترى انه إذا كان بينه وبين مكة بحر زاخر لا سفينة ثمة أو عدو حائل يحول بينه وبين الوصول إلى البيت لا يجب عليه الحج مع وجود الزاد والراحة فثبت أن تخصيص الزاد والراحلة ليس لاقتصار الشرط عليهما بل للتنبيه على أسباب الامكان فكلما كان من أسباب الامكان يدخل تحت تفسير الاستطاعة معنى ولان في ايجاب الحج على الأعمى والزمن والمقعد والمفلوج والمريض والشيخ الكبير الذي لا يثبت على الراحلة بأنفسهم حرجا بينا ومشقة شديدة وقد قال الله عز وجل ما جعل عليكم في الدين من حرج ومنها ملك الزاد والراحلة في حق النائي عن مكة والكلام فيه في موضعين أحدهما في بيان انه من شرائط الوجوب والثاني في تفسير الزاد والراحلة اما الأول فقد قال عامة العلماء انه شرط فلا يجب الحج بإباحة الزاد والراحلة سواء كانت الإباحة ممن له منة على المباح له أو كانت ممن لا منة له عليه كالأب وقال الشافعي يجب الحج بإباحة الزاد والراحلة إذا كانت الإباحة ممن لا منة له على المباح له كالوالد بذل الزاد والراحلة لابنه وله في الأجنبي قولان ولو وهبه انسان مالا يحج به لا يجب على الموهوب له القبول عندنا وللشافعي فيه قولان وقال مالك الراحلة ليست بشرط لوجوب الحج أصلا لا ملكا ولا إباحة وملك الزاد شرط حتى لو كان صحيح البدن وهو يقدر على المشي يجب عليه الحج وان لم يكن له راحلة أما الكلام مع مالك فهو احتج بظاهر قوله تعالى ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كان صحيح البدن قادرا على المشي وله زاد فقد استطاع إليه سبيلا فليزمه فرض الحج ( ولنا ) ان رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة جميعا فلا تثبت الاستطاعة بأحدهما وبه تبين ان القدرة على المشي لا تكفى لاستطاعة الحج ثم شرط الراحلة إنما يراعى لوجوب الحج في حق من نأى عن مكة فاما أهل مكة ومن حولهم فان الحج يجب على القوى منهم القادر على المشي من غير راحلة لأنه لا حرج يلحقه في المشي إلى الحج كما لا يلحقه الحرج في المشي إلى الجمعة وأما الكلام مع الشافعي فوجه قوله إن الاستطاعة المذكورة هي القدرة من حيث سلامة الأسباب والآلات والقدرة تثبت بالإباحة فلا معنى لاشتراط الملك إذ الملك لا يشترط لعينه بل للقدرة على استعمال الزاد والراحلة أكلا وركوبا وإذا ثبتت بالإباحة ولهذا استوى الملك والإباحة في باب الطهارة في المنع من جواز التيمم كذا ههنا ( ولنا ) ان استطاعة الأسباب والآلات لا تثبت بالإباحة لان الإباحة لا تكون لازمة الا ترى ان للمبيح أن يمنع المباح له عن التصرف في المباح ومع قيام ولاية المنع لا تثبت القدرة المطلقة فلا يكون مستطيعا على الاطلاق فلم يوجد شرط الوجوب فلا يجب بخلاف مسألة الطهارة لان شرط جواز التيمم عدم الماء بقوله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا والعدم لا يثبت مع البذل والإباحة وأما تفسير الزاد والراحلة فهو أن يملك من المال مقدار ما يبلغه إلى مكة ذاهبا وجائيا راكبا لا ماشيا بنفقة وسط لا اسراف فيها ولا تقتير فاضلا عن مسكنه وخادمه وفرسه وسلاحه وثيابه وأثاثه ونفقة عياله وخدمه وكسوتهم وقضاء ديونه وروى عن أبي يوسف أنه قال ونفقة شهر بعد انصرافه أيضا وروى الحسن عن أبي حنيفة انه فسر الراحلة فقال إذا كان عنده ما يفضل عما ذكرنا ما يكترى به شق محمل أو زاملة أو رأس راحلة وينفق ذاهبا وجائيا فعليه الحج وان لم يكفه ذلك الا أن يمشى أو يكترى عقبة فليس عليه الحج ماشيا ولا راكبا عقبة وإنما اعتبرنا الفضل على ما ذكرنا من الحوائج لأنها من الحوائج اللازمة التي لابد منها فكان المستحق بها ملحقا بالعدم وما ذكره بعض أصحابنا في تقدير نفقة العيال سنة والبعض شهرا فليس بتقدير لازم بل هو على حسب اختلاف المسافة في القرب والبعد لان قدر النفقة يختلف باختلاف المسافة فيعتبر في ذلك قدر ما يذهب ويعود إلى منزله وإنما لا يجب